c
قصة اليومقصص السنة

الحب | حب النبي

  • الحب | حب النبي

وقف جيش المسلمين عند مؤتة بعد أن غربت الشمس يودعون قتلاهم علي رمال بلقاء الشام في تلك المعركة التاريخية التي حسمت أطماع الروم في أرض الجزيرة..يوم أن تقدم جيش مؤمن لا يبلغ في العدد عشر جيش الروم ليقلم أظافر الإمبراطورية العجوز ويردها عن حدود الجزيرة العربية..

وتقدم خالد بن الوليد ,القائد الرابع الذي اختاره المسلمون لذلك الجيش,يتفقد ألقتلي وكان  بينهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم والذي قال فيه ” أشبهت خلقي وخلقي”.. لكنه توقف فجأة تفيض عيناه بالدموع أمام الشهيد الأول وأول من قاد الجيش وهو يتعجل طريق الشهادة طريق الجنة.. زيد بن حارثة حب رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي لم يحب حبه أحدا والذي تقول عنه  أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها “ما بعث رسول الله صلي الله عليه وسلم زيدا بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه “..

وانحني خالد لعظمة الذكري إجلالا..ذكري هذا الذي بلغ منزلة لم يبلغها أحد من قلب الرسول عليه السلام حتى ظنت أمنا انه سيكون الخليفة من بعده.

زيد بن حارثة الرجل الأسمر شديد السمرة..القصير الأفطس..لكن الإسلام هو الذي تألق في ظله بلال الحبشي  وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وعمار و خباب وغيرهم..

إنهم تألقوا كأبرار وقادة..

لقد فتح الإسلام لهم أبواب الحياة علي قيم جديدة.. قيم حقيقة بالخلود والبقاء..

” لاشك أن زيد أفضل مني ..أفضل مني فقط ..و إلا لما قال لنا الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو يودعنا بالمدينة ” عليكم زيد ابن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب, فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة “..أفضل مني.. لقد قدمه الرسول علي ابن عمه الحبيب..بل أمره علي سادات قريش وأشرافها..

فبما ذا بلغ هذه المكانة من قلب الرسول؟”

أبعقله..؟ لاشك انه كان راجح العقل واسع الحلم قاد الكثير من الجيوش إلي النصر وشارك في جميع الغزوات ولكن أين عمر بن الخطاب منه في ذلك..؟

إذن فبسابقته في الإسلام..انه ثاني اثنين في هذه الدنيا.. ألأولي أمنا خديجة رضي الله عنها وزيد هو ثاني من آمن برسالة محمد وصدق بها وعاش حياته كلها لها يحمل رأسه علي كفه في كل مواقع الدفاع عن العقيدة الجديدة ..واستمر يعيش إلي جانب رسول الله وعرف بزيد بن محمد بعد أن تبناه الرسول وظل ينادي بهذا الاسم الشريف حتى زوجه الرسول صلي الله عليه وسلم بابنة عمه زينب ثم طلقها بعد أن تعذرت العشرة بينهما ونزل فيه القرآن منظما عادة التبني معانا أنه” ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” فعاد إليه اسمه الأول زيد ابن حارثة ..

لكن أين منه أبو بكر الصديق من أوائل المسلمين وهو التاجر الثري الذي سارع إلي الإسلام وضحي بماله كله وتجارته في سبيل الدعوة.. وهو صهر رسول الله ووالد عائشة أحب زوجات النبي إلي قلبه؟

كيف إذن بلغ زيد هذه المكانة في الإسلام وفي قلب رسول الله ؟

لعل السر في حياته الطويلة مع الرسول صلي الله عليه وسلم وفي كنفه..

ولقد قيل أن سعدي خرجت ذات يوم بولدها اليانع زيد تزمع زيارة أهلها في بني معن فلما بلغت مرابع الطفولة والتقت بلداتها وصديقات صبها طاب لها المقام فترة من الزمان ومكثت في أهلها ما شاء الله أن تمكث حتى كان صباح حين دهمت حي بني معن قبيلة معادية قبل مشرق الشمس وأعملت فيهم القتل والأسر قبل أن يفيقوا من هول المفاجأة..

وكان زيد بن حارثة من بين أسري بني معن في هذا اليوم المشئوم وكان وقع الكارثة علي أبيه أليما حتى أنه خر صعقا لدي سماعه بالنبأ فلما أفاق خرج هائما علي وجهه يقطع الصحاري والقفار ويسائل البيد والوحش عن ولده وفلذة كبده ويبكي فراقه بكاء حارا تنفطر له الكبد وتتبدد النفس ويردد بين أحياء العرب هذه الأبيات الحزينة يبثها شكاته وينفث فيها آلام صدره :

بكيت علي زيد ولم أدر ما فعل          أحي فيرجى أم أتي دونه الأجل

فوالله ما أدري, وإني لسائل              أغالك بعدي السهل ؟أم غالك الجبل

تذكرنيه الشمس عند طلوعها             وتعرض ذكراه إذا غر بها أفل

وإن هبت الأرواح هيجن ذكره           فيا طول ما حزني عليه وما وجل

وتمضي أعوام علي هذا اليوم يباع  خلالها زيد في سوق عكاظ ويعرف مرارة الأسر ويذوق ذل العبودية والرق..لكن الأقدار كانت تريد لهذا الغلام شيئا آخر..فاشتراه حكيم بن خزام في سوق عكاظ ليهبه بعد ذلك لعمته خديجة ,شريفة من أشراف قريش وثرية من أثريائها فيبق زيد خادما عندها حتى تصير زوجا لمحمد بن عبد الله الذي لقبه الناس بالأمين والذي عرف بين الناس بالقلب الكبير والخلق العظيم وعفة اللسان ورحمة الفؤاد .

وتهب خديجة خادمها زيدا لزوجها رسول الله فيتقبله بقبول حسن ويعتقه من فوره فيرد عليه حريته ويثلج صدره بذلك التكريم للإخاء الإنساني ويحس زيد بعظمة الرسول قبل الرسالة ويري فيه الإنسانية مجسدة بكل ما تستوجبه من مودة بين الناس ورحمة للضعفاء وصلة رحم ومحبة تصبغ العلاقات بين بني البشر.. أجل محبة كانت هي جماع صفات الرسول وصبغة كل أعماله ..محبة يفيض بها قلبه الكبير ويتضاءل أمامها كل شيء آخر..محبة تفيأ  ظلالها زيد واستروح أنسامها ونعم بالعيش في كنفها . فلما التقي بنفر من قومه بمكة في أحد مواسم الحج وأبلغوه ما يعاني أبوه من لوعة وألم من أجله حمَّلهم سلامه وشوقه لامه وأبيه ثم قال لهم ” أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد”..

ولكن حارثة ما كاد يعلم مكان ابنه حتى اصطحب أخاه وأخذا السير إلي مكة فلما بلغاها مضيا يسألان عن الأمين محمد إلي أن عثرا بمكانه..

وبكل لهفة الأبوة قال حارثة” يا ابن عبد المطلب ..يا ابن سيد قومه, أنتم أهل حرم الله.. تفكون العاني وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا فامنن علينا وأحسن في فدائه”..

ولم ينكر الرسول حق الوالد في ولده.. وهل تخفي عاطفة الأبوة والآصرة التي تربط الأب ببيته وأبنائه وتجعل الابن يتعلق بأبويه مدي الحياة..كما تجعل الأب يضحي بماله وصحته وقوته من أجل أبنائه..

لكن محمدا كان يعلم الرابطة القوية التي ربطت بينه وبين زيد الذي أظله مع الرسول في بيت واحد سنين عددا. فقال لحارثة” ادعوا زيدا و خيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء ..وإن اختارني  فوالله ما أنا الذي أختار علي من اختارني فداء”..

تهلل وجه حارثة لهذه السماحة التي لا تصدر إلا عن قلب عظيم ولم يسعه إلا أن قال ممتنا شاكرا” لقد نصفتنا وزدتنا عن النصف”

ونودي زيد و سأله الرسول : هل تعرف هؤلاء؟

  • نعم هذا أبي وهذا عمي..

وعاد الرسول يخيره بين العودة إلي أبيه بغير فداء وبين أن يبقي معه  ولم يتردد زيد في المفاضلة بل قال علي التو” ما أنا بالذي يختار عليك أحدا..أنت الأب والعم”..

ونديت عينا الرسول بدموع شاكرة حانية, ثم أمسك بزيد من يده وخرج به إلي فناء الكعبة حيث قريش مجتمعة وهناك نادى عليه السلام ” اشهدوا أن زيد ابني يرثني وارثه”..

وهكذا لم يعد زيد حرا فحسب بل أصبح ابنا للرجل الذي تسميه قريش ” الصادق الأمين ” سليل بني هاشم, الذروة من قريش, ولم تنزل مكانته أو تنقص يوم عاد إليه اسم ” زيد بن حارثة ” بل ظلت محبة رسول الله ترتفع به حتى بلغ أعلي المنازل .. منزلة الشهداء..

 

بقلم : د.عبد الحليم محمود

الدين المعاملة

ابن ينصح أبيه

تابعنا علي الفيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق