c
قصص الحياة

المتنبي – الشاعر الذي قتله شعره

نشأته وحياته

المتنبي شاعر عظيم ولكنه أودى به شعره حتي لقب بالشاعر الذي قتله شعره وهذا ما سوف نعرف قصته في هذه القصة

المتنبيالشاعر الذي قتله شعره

303 – 354 هـ

نشأته وحياته

المتنبي شاعر عظيم ولكنه أودى به شعره حتي لقب بالشاعر الذي قتله شعره وهذا ما سوف نعرف قصته في هذه القصة. المتنبي – الشاعر الذي قتله شعره هو أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي ولد بالكوفة من أبوين فقيرين . كان أبوه سقى بالكوفة  ، ثم سافر به وهو صغير إلى الشام متنقلا من البادية إلى الحاضرة يلحقه بالكتاب ، ويردده في القبائل ومخايله نواطق بفضله ضوامن لنجاحه ، حتى توفي أبوه وقد ترعرع الشاعر ونال حظه من علوم اللغة والأدب فأخذ يجول في الأرض ابتغاءً للرزق واكتساباً للمجد . وكان المتنبي منذ نشأته كبير النفس عال الهمة طموحا إلي المجد:  بلغ من كبر نفسه وإعجابه بها أن دعا الناس إلي بيعته بالخلافة وهو مازال صغيراً حديث السن . حين كاد أن يتم له الامر وصل خبره إلي والي البلدة فأمر بحبسه .

هل فعلا المتنبي – الشاعر الذي قتله شعره ؟

هذا ما سوف نعرفه

كيف نجى المتنبي من الحبس 

فكتب المتنبي وهو في السجن الي الوالي قصيدة منها :
أمالك رقي، ومن شأنه …….. هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا…….. ء، والموت منى كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلى ……… وأوهن رجلي ثقل الحديد
وقد كان مشيهما في النعال ……… فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل……….. فها أنا في محفل من قرود
تعجل في وجوب الحدود ………….وحدي قبل وجوب السجود

معناه أني صبي لم أبلغ الحلم فيوجب علي السجود فكيف تجب علي الحدود ) فأطلق سراحه. ولكن حب الرياسة لم يزل متمكنا من قلبه إلي أن أخلف برد شبابه وتضاعفت عقود عمره وفي سنة 333 هـ ادعى النبوة في الشام وفتن شرذمة من الناس بقوة أدبه وسحر بيانه. ولما سُئل عن النبي (صل الله عليه وسلم) قال : إنه بشر بمجيئي وأخبر بنبوتي فقال : لا نبي بعدي وأنا اسمي في السماء (لا ) . وصنف كلاما عارض به القرآن . فلما اشتهر أمره قبض عليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية ، فأوثقه ثم أطلقه بعد أن استتاب ورجع عن غيه وتفرق عنه أصحابه الذين فتنوا به . فطفق يتجشم أسفاراً أبعد من آماله ، ولا زاد له إلا صبره ، ولا عدة له إلا بأسه ، كما يتجلى ذلك في مثل قوله:

وحيد من الخلان في كل بلدة .. إذا عظم المطلوب وقل المساعد

وقوله:

ضاقَ صَدري وطالَ في طَلبِ الرّزْقِ . . قيامي وَقَلّ عَنهُ قُعُودِي
أبَداً أقْطَعُ البِلادَ وَنَجْمي . . في نُحُوسٍ وَهِمّتي في سُعُودِ
عِشْ عزيزاً أوْ مُتْ وَأنتَ كَرِيمٌ . . بَينَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْقِ البُنُودِ
فَرُؤوسُ الرّمَاحِ أذْهَبُ للغَيْـ. . .ـظِ وَأشفَى لِغلّ صَدرِ الحَقُودِ
لا كَما قد حَيِيتَ غَيرَ حَميدٍ . . وإذا مُتَّ مُتَّ غَيْرَ فَقيدِ
فاطْلُبِ العِزّ في لَظَى وَدَعِ الذّ. .لّ وَلَوْ كانَ في جِنانِ الخُلُودِ

"<yoastmark

ولم يزل هكذا حتى اتصل بأبي العشائر والى أنطاكية من قبل سيف الدولة وامتدحه ، فأكرم مثواه وقدمه إلي سف الدولة وعرفه بمنزلته من الشعر والأدب فضمه الأمير إليه وحسن موقعه عنده ، فسلمه إلي الرواد فعلموه الفروسية والطراد حتى لا يفارقه في الحرب ولا في السلم . وأفعم وطابه ودرَت له أخلاف الدنيا على يده ، حتى كان من قوله فيه :

تَرَكْتُ السُّرَى خَلفي لمَنْ قَلّ مالُه .. وَأنعَلْتُ أفراسي بنُعْماكَ عَسجَدَا

وَقَيّدْتُ نَفْسِي في ذَرَاكَ مَحَبّةً .. وَمَنْ وَجَدَ الإحْسانَ قَيْداً تَقَيّدَا

إذا سَألَ الإنْسَانُ أيّامَهُ الغِنى .. وَكنتَ على بُعْدٍ جَعَلْنَكَ موْعِدَا

المتنبي بعد مفارقة سيف الدولة 

ولم يزل معه في حال حسنة حتى حدثت بينهما جفوة ففارقه ( أثر هذا الفراق في أبي الطيب فأضطرب أمره وتراجع شعره .

فعقب في آخر أيامه على ذلك وقال : قد تجوزت في قولي وأعفيت طبعي ، واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان ).

وبعد مفارقة سيف الدولة ذهب إلى مصر في سنة 346 هـ .  وهناك مدح كافورا الإخشيدي وأبا شجاع . وأقام في مصر ردحا من الزمن يرقب الفرصة من كافور فيصعد المجد على كاهله. فما هو إلا أن قال :

أبا المسك هل في الكأس أناله  .. فإني أغني منذ حينٍ وتشرب

وقال :  

أَرى لي بِقُربي مِنكَ عَيناً قَريرَ .. وَإِن كانَ قُرباً بِالبِعادِ يُشابُ

وَهَل نافِعي أَن تُرفَعَ الحُجبُ بَينَنا .. وَدونَ الَّذي أَمَّلتُ مِنكَ حِجابُ

أُقِلُّ سَلامي حُبَّ ما خَفَّ عَنكُمُ .. وَأَسكُتُ كَيما لا يَكونَ جَوابُ

وَفي النَفسِ حاجاتٌ وَفيكَ فَطانَةٌ .. سُكوتي بَيانٌ عِندَها وَخِطابُ

خوف كافور من المتنبي

حتى أوجس كافور منه خيفة لتعاليه في شعره وطموحه إلى الملك فذوى عنه وجهه ، فهجاه وقصد بغداد . ولم يمدح الوزير المهلبي لأنه كان يترفع عن مدح غير الملوك ، فشق ذلك على الوزير فسلط عليه شعراء بغداد فنالوا من عرضه وشعره ولكنه لم يجبهم ، وذهب قاصدا أرجان لزيارة الفضل بن العميد فكتب إليه الوزير الصاحب بن عباد يطلب من زيارة أصبهان طامع أن يمدحه فلم يقم له وزنا وذهب إلى عضد الدولة بشيراز فغضب قلب الوزير الصاحب بن عباد وأخذ يتتبع هفواته ، وهو أعلم الناس بحسناته – وشن عليه هو واتباعه حربا قلمية ، وألفوا الكتب فى نقضه ورموه بالسرقة والخروج عن الأساليب العربية ، وهو لا يأبه لهم ثقة بنفسه وإعجابا بشعره … فلم حصل عند عضد الدولة أصبغ عليه نعمته وأعطاه ثلاثة ألاف دينار وخيول وثياب ، ثم دس عليه من يسأله : أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة ؟

رد المتنبي علي عطاء كافور الإخشيدي

فقال المتنبي : هذا أجزل إلا أنه متكلف، وسيف الدولة كان يعطي طبعاً (كريم بطبعه) فغضب عضد الدولة من ذلك . ويقال أنه جهز عليه فاتكا ألأسدي في قوم من بني ضبة ، فعرض له بالصافية من سواد واقتتلا . فلم رأى المتنبي شدة غضب عضد الدولة ونيته بقتله هرب مسرعا .

فقال له غلامه : يتحدث الناس عنك بالفرار وأنت القائل :

الخيل والليل والبيداء تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلم قاتل حتى قتل هو وولده وغلامه في أواخر شهر رمضان سنة 354 هـ وكان هذا البيت قاتل صاحبه . وانتهت حياته بسبب شعره.

المتنبي – الشاعر الذي قتله شعره

خصائص شعره

المتنبي شاعر من شعراء المعاني ، وفق بين الشعر والفلسفة ، وجعل أكثر عنايته بالمعنى ، وأطلق الشعر من القيود التي قيده بها أبو تمام وشيعته ، وخرج به عن أساليب العرب التقليدية فهو إمام الطريقة الابتداعية في الشعر العربي ( الابتداعية هي ترجمة معنوية لكلمة  Romantique  لأن أهل هذه الطريقة من الألمان والإنجليز والفرنسيين قد خرجوا على الطريقة الاتباعية Classique بابتداع أسلوب جديد انتشر في أوروبا بعد عناء طويل ونضال عنيف بين أرباب الطريقتين وإن في خروج أبي الطيب المتنبي وابن هانئ الأندلسي وأبي علاء المعري وإضرابهم على أساليب العرب المخصوصة إطلاقهم الشعر من قيود الصناعة ما يشبه تلك الطريقة )

ما تميز به شعر أبي الطيب

ولقد حظي في شعره بالحكم والأمثال واختص بالإبداع في وصف القتال ، التشبيب بالأعرابيات وإجادة التشبيه ، وارسال المثلين في بيت واحد ، وحسن التخلص ، وصحة التقسيم ، وإيداع المديح ، وإيجاع الهجاء ، وأخص ما يميز المتنبي بروز شخصيته في شعره ، وصدق إيمانه برأيه ، وقوة إعداده بنفسه ، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأهواء القلوب وحقائق الوجود وأغراض الحياة لذلك كان شعره في كل عصر ممدا لكل كاتب ، ومثلا لكل خاطب .

عيوب شعره

بيت المتنبي يضيق أحيانا بمعناه فيعسر فهمه وتبعد غايته منه فيطيش سهمه وقد بلغ من إهماله اللفظ أن وقع بعض المساوئ ، كاستكراه اللفظ وتعقيد المعنى ، واستعمال الغريب ، وقبح الطالع ، ومخلفة القياس ، وكثرة التفاوت في شعره والخروج في المبالغة إلى الاستحالة ، كقوله :

ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف

وقوله :

أنى يكون أبا البرايا آدم .. وأبوك والثقلان أنت محمد

لو لم تكنْ من ذا الوَرَى اللّذْ منك هُو.. عَقِمَتْ بمَوْلِدِ نَسْلِها حَوّاء

والاستشهاد على كل ذلك يخرج بنا إلى التطويل فارجع إلى يتيمة الدهر للثعالبي .

نموذج من شعره

قال يشكو الزمان :

لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي .. شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ

يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما.. أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟

أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني .. هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ

إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً .. وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ

ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ .. أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ

أمْسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيَداً .. أنَا الغَنيّ وَأمْوَالي المَوَاعِيدُ

إنّي نَزَلْتُ بكَذّابِينَ، ضَيْفُهُمُ .. عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ

جودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ .. منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ

منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ .. إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ

 قال بتفلسف :

نَحنُ بَنو المَوتى فَما بالُناَ ..  نعافُ مالا بُدَّ مِن شُربِهِ

تَبخَلُ أَيدينا بِأَرواحِنا ..على زَمانٍ هِيَ مِن كَسبِهِ

فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ .. وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ

لَو فَكَّرَ العاشِقُ في مُنتَهى .. حُسنِ الَّذي يَسبيهِ لَم يَسبِهِ

لَم يُرَ قَرنُ الشَمسِ في شَرقِهِ .. فَشَكَّتِ الأَنفُسُ في غَربِهِ

يَموتُ راعي الضَأنِ في جَهلِهِ .. مَوتَةَ جالينوسَ في طِبِّهِ

وَرُبَّما زادَ عَلى عُمرِهِ .. وَزادَ في الأَمنِ عَلى سِربِهِ

وَغايَةُ المُفرِطِ في سِلمِهِ .. كَغايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ

  وقال :

نصيبك في حياتك من حبيب .. نصيبك في منامك من خيال

رماني الدهر بالأرزاء حتى ..  فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام .. تكسرت النصال على النصال

وهان فما أبالي بالرزايا لأني .. ما انتفعت بأن أبالي

وقال :

صحب الناس قبلنا ذا الزمان .. وعناهم من أمره ما عنانا

وتولوا بغصة كلهم منه .. وإن سر بعضهم أحيانا

ربما تحسن الصنيع لياليه.. ولكن تكدر الإحسانا

وكأنا لم يرض فينا .. بريب الدهر حتى أعانه من أعانا

كلما أنبت الزمان قناة .. ركب المرأ في القناة سنانا

ومراد النفوس أصغر من أن .. نتعادى فيه وأن نتفانى

غير أن الفتى يلاقي المنايا .. كالحات ولا يلاقي الهوانا

وقال أيضا :

زودينا من حسن وجهك ما دام.. فحسن الوجوه حال تحول

وصلينا نصلك في هذه الدنيا .. فإن المقام فيها قليل

 

تابعنا علي الفيسبوك

افرأ أيضا

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق