c
قصص الحياة

محمد حافظ إبراهيم – شاعر النيل والشعب

شاعر النيل والشعب

محمد حافظ إبراهيم – شاعر النيل والشعب

نشأته وحياته :

محمد حافظ إبراهيم – شاعر النيل والشعب || ولد محمد حافظ إبراهيم في ديروط التابعة لمديرية أسيوط  حوالي سنة 1870 م . إذ كان أبوه إبراهيم فهمي من المهندسين المشرفين علي بناء قناطر أسوط . ولما كان عمره سنتين توفى أبوه فقيرا في ديروط  فانتقلت به أمه إلى القاهرة فكفله خاله وأدخله (المدرسة الخيرية ) ثم المدرسة المبتديان ثم المدرسة الخديوية . ثم انتقل خاله إلى طنطا فنقله معه ، فقضى فيها بضع سنين من غير عمل وكان يقضى وقت فراغه بالقراءة ، ويعالج ملله بالقريض . ولم يستطع خاله لسبب ما أن يجلو عنه غمة اليأس وذلة اليتم ، فكان لا يفتأ متبرما بالعيش ، متأففا بالناس ، متجنبا على القدر ، لا ينشئ الشعر إلا في ذاك . ثم دفعته الحاجة إلى مكاتب المحامين فعمل فيها حينا ، حتى أسعفته الفرص فدخل المدرسة الحربية ، وخرج منها ضابطا بالجيش . ثم نقل إلى الشرطة ، ثم أعيد إلى الجيش وأرسل إلى السودان في الحملة المصرية بقيادة كتشنرفبقي هناك زمنا كان لا ينفك فيه متبرما متمردا ، يلح في العودة إلي مصر.

فلما أخفق مسعاه في العودة صار مع فئة من الضباط سنة 1899 م ،

فحوكم وأحيل إلي الاحتياط ثم إلي المعاش .

عاد حافظ كما كان يضطرب في الحياة المبهمة لا يرضى بعمل ولا يستقر على أمر (مشتت) ولا يتشوف إلي غاية (لا يوجد عنده هدف ) ، وانما يقضى نهاره متنقلا من قهوة إلي قهوة ، ويقضى ليله متنقلا من مجلس إلى مجلس ، ويحب مجالس الشيخ الأمام محمد عبده فينتفع بجاهه ويعيش على رفده ، ويخشى مع ذلك أبهاء النعمة ، يسامر أهلها بعذب حديثه ، وينادمهم برقيق شعره . وفى سنة 1911 م عينه أحمد حشمت باشا وزير المعارف يومئذ رئيسا للقسم الأدبي بدار الكتب المصرية ، ثم وكيلا للدار ، وظل في هذا المنصب حتى خرج إلى التقاعد فى صدر سنة 1932 م وتوفى فى صيف السنة نفسها .

حافظ الأديب

عاش حافظ بحكم طفولته الشاردة المهملة عيش الكسل والتبطل  لا يميل إلى علم  ، ولا ينشط إلى عمل ، كدأب الناس قديما من أضراب مسلم بن الوليد ، أبى نواس ، ممن عاشوا صنائع للملوك ، معتمدين على الجوائز ، ووسائل للهو ، كان مبدأه الأدبي مبدأ اليوم ، كما كانت حياته المادية حياة الساعة . رأى الآمال تتهاتف حينا من الدهر على أريكة الخديوية فى مصر وعرش الخلافة الاستانة ، فجرى لسانه بالشعر المطبوع ، فى مدح عباس وتمجيد عبد الحميد . ثم اتصل بالامام محمد عبده وشيعته من سراة البلاد وشيوخ الأمة ، وله يومئذ فى الانجليز رجاء موصول وظن حسن ، فصدرت عنه في هذه الفترة قصائد فى رثاء الملكة فكتوريا وتتويج الملك إدوارد السابع ، ووداع اللورد كرومر ، عبر بها عن الرأى  الارستقراطي في ذلك الحين . ثم خلص للشعب . فلبس زى الدهماء , وخالط الزعماء ، واندفع بقوة الوطنية الدافقة الشابة إلى لواء مصطفى كامل فمزج شكواه بشكوى البلاد ، وضرب على أوتار القلوب أناشيد الجهاد ونظم أمانى الشباب من حبات قلبه ، وترجم أحاديث النفوس بيان شعره .

عكف منذ شب على دواوين الشعر ، وأجزاء (الأغاني) ينتحلها ويتمثلها ويعاود النظر فيها . حتى بلغ من مختار الرواية ومصطفى الكلام ما لا غاية بمده . ثم قنع من فروع الثقافة الأخرى ينتف من المسائل الأولية ينقلها عن السماع ويأخذه من الصحف إذا ظن أنها تدخل بوجه من الوجوه فيما يعنيه من ابتكار الاسمار وصوغ القريض .

حافظ الشاعر

صياغة حافظ هى موهبته الأولى وميزته الظاهرة وهو فى ذلك ثاني الخمسة ( البارودي و شوقي وصبري و حافظ و مطران ) الذين تيقظت على دعوتهم نهضة الشعر ، وتجددت على صنعتهم بلاغة القصيد .حافظ ابراهيم

ولعله انفرد عن هؤلاء جميعا بالصدق في تعبيره عن هموم قلبه ،

وتفسيره لأماني شعبه ، وتصويره لمساوئ عصره .

أما الروح والموضوع فأصداء منبعثة من الماضي فى فردياته .

محمد حافظ إبراهيم - شاعر النيل والشعب
محمد حافظ إبراهيم – شاعر النيل والشعب

وأراء مقتبسة من الحاضر فى اجتماعياته . كان إذا تهيأ للشعر عمد إلى الآراء التي تختلج حيئذ فى النفوس ، وتستفيض في المجامع ، وتتردد في الصحف ، فيجمعها في باله ، ويديرها في خاطره ، ثم يكون همه بعد ذلك أن يصوغها شعرا فيحسن الصوغ ، ويسبكها فيجيد السبك ، وتقرأ بعد ذلك أو تسمع فإذا نسق مطرد وأسلوب سائغ ، وشيء كأنك سمعته من قبل ولكن عليه طابع حافظ وطبعه .

نموذج من شعره

قال على لسان اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها :

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي   وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي

رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني  عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي

وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي      رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية    وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ   وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

أنا البحر في أحشائه الدر كامن   فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني   ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي

فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني   أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي

أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً   وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ

أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً    فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ

أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ    يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

من خمرياته

أَوشَكَ الديكُ أَن يَصيحَ وَنَفسي     بَينَ هَمٍّ وَبَينَ ظَنٍّ وَحَدسِ

يا غُلامُ المُدامَ وَالكاسَ وَالطا       سَ وَهَيِّئ لَنا مَكاناً كَأَمسِ

أَطلِقِ الشَمسَ مِن غَياهِبِ هَذا الدَن   نِ وَاِملَإ مِن ذَلِكَ النورِ كَأسي

وَأَذَنِ الصُبحَ أَن يَلوحَ لِعَيني     مِن سَناها فَذاكَ وَقتُ التَحَسّي

وَاِدعُ نَدمانَ خَلوَتي وَاِئتِناسي  وَتَعَجَّل وَأَسبِل سُتورَ الدِمَقس

وَاِسقِنا يا غُلامُ حَتّى تَرانا    لا نُطيقُ الكَلامَ إِلّا بِهَمسِ

خَمرَةً قيلَ إِنَّهُم عَصَروها    مِن خُدودِ المِلاحِ في يَومِ عُرسِ

من قصيدة (غادة اليابان)

لا تلم كفى إذا السيف نبا     صح منى العزم و الدهر أبى

رب ساع مبصر فى سعيه     أخطأ التوفيق فيما طلبا

مرحبا بالخطب يبلونى إذا       كانت العلياء فيه السببا

عقنى الدهر و لولا أننى        أوثر الحسنى عققت الأدبا

إيه يا دنيا اعبسى أو فابسمى      ما أرى برقك إلا خلبا

أنا لولا أن لى من أمتى          خاذلاً ما بت أشكو النوبا

أمة قد فت فى ساعدها         بغضها الأهل و حب الغربا

تعشق الألقاب فى غير العلا      و تُفدى بالنفوس الرتبا

و هى و الأحداث تستهدفها       تعشق اللهو و تهوى الطربا

لا تبالى لعب القوم بها           أم بها صرف الليالى لعبا

ليتها تسمع منى قصةً           ذات شجو و حديثا عجبا

كنت أهوى فى زمانى        غادة وهب الله لها ما وهبا

ذات وجه مزج الله به صفرة      تنسى اليهود الذهبا

حملت لى ذات يوم نبأً        لا رعاك الله يا ذاك النبا

و أتت تخطر و الليل فتى      و هلال الأفق فى الأفق حبا

 

تابعنا علي الفيسبوك

افرأ أيضا

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق