c
قصص الحياة

معاناة طبيب في زمن كورونا – أين أدفن أبي؟

كورونا والأزمة الإنسانية

 معاناة طبيب في زمن كورونا – أين أدفن أبي؟ – أين أدفن أبي؟

هذه القصة وقعت في قرية من قرى مصر وهي قرية بولس إحدى قرى محافظة البحيرة وكأن صاحبها لو أراد حكايتها لقال نشأت في أسرة متوسطة الحال ، آه نسيت أن أعرفكم بنفسي أنا طبيب مصري وابن قرى مصر التي سيطر عليها الجهل ، بفضل الله ثم والدي تمكنت من إنهاء دراستي في كلية الطب  . وأنا مازلت مقيما في قريتي الصغيرة مع والدي . وحالي كان كأي طبيب يقيم في قرية كان الأهل والجيران والأقارب وكل أهل القرية يأتون للاستشارة الطبية وكنت أقدمها حبا لهم وبنفس راضية .

وأحيانا كثيرة  أجد تليفوني يرن في منتصف الليل لمستغيث من أهل القرية يقول : بصوت مليء بالفزع والحزن ساعدني يا دكتور ابني مريض جدا ، وأخر يقول أبي يتوجع ألما ولم يستطع الحركة ليحضر إليك فما تأخرت عن استغاثة واحدة .

 

ومرت الأيام على هذا المنوال مع أهل قريتي وأنا سعيد بما افعل مما زاد حب أهل قريتي لي واحترامهم وتقديرهم لأسرتي . مما شجعني على إقامة عيادة في القرية لخدمة أهل القرية وحددت أيام معينة في الأسبوع للكشف بالمجان  وإلي الآن لم تبدأ قصتي ، ربما تبدو قصة غير واقعية أو غير حقيقية إلا أنها حدثت بالفعل ، وإذا كانت لم تحدث معي  وكنت سمعتها من أحد لما صدقتها . وهنا تبدأ معاناة طبيب في زمن كورونا – أين أدفن أبي؟

 

 معاناة طبيب في زمن كورونا - أين أدفن أبي؟ - أين أدفن أبي؟
معاناة طبيب في زمن كورونا – أين أدفن أبي؟ – أين أدفن أبي؟

تبدأ  معاناتي من عام 2020 وتحديدا منتصف فبراير  ، حيث انتشر الوباء الخطير كورونا في العالم ولكن للأسف  كنا لا نقيم له وزنا غير مدركين مدى خطورته ، حتى ظهرت حالات كثيرة لسياح عائدين من مصر إلى بلادهم فانتبه العالم أن مصر انتشر بها فيروس كورونا ولكن مصر مازالت لم تعترف بوجود الفيروس بها الا علي استحياء ،وهنا أدركنا حجم المشكلة ، وبدأت مصر تتعامل مع انتشار الفيروس كورونا وبحكم عملي كنت فى مقدمة المتعاملين مع هذا الفيروس اللعين كورونا . ولكني أصبت  بهذا الفيروس  ، ولم تظهر علي الأعراض إلا متأخرا والحمد لله تعافيت منه . إلا أن هذا الفيروس اللعين يتخفي وينتشر كالنار في الهشيم فقد استطاع أن  يتسرب كالشيطان إلي أبي المسن الذى لم يتحمله كثيرا فمات رغم محاولات كثيرة لإنقاذه من مخالب هذا الفيروس القاتل .

وخضت معاناة أخرى لتغسيل وتكفين جثة أبي فتم والحمد لله وضع جثة أبي في كيس محكم الغلق  للوقاية من خطر انشار الفيروس ثم وضعنا الكيس فى تابوت خشبي محكم الغلق أيضا  وحملت أبي بمساعدة رجال الإسعاف ووضعناه في السيارة وانطلقنا إلي قريتي حيث مدافن العائلة ، وكنت جالس بجوار جثة أبي في سيارة الإسعاف وطول الطريق كاد التأنيب يقتلني بأنني السبب في عدوى أبي ،  فمكثت شارد الذهن إلى أن توقفت السيارة فاستفقت وأدركت أننا وصلنا إلى قريتي فنزلت فإذا بي أجد جميع أهالي القرية يتجمعون فهذا خفف من حزني وحدثتني نفسي  كم أهل قريتي طيبون يقفون جميعا لاستقبال جنازة أبي وتشييعها ، فكم أحب هذه القرية ؟! لكن كانت المفاجأة والصدمة لي ولرجال الاسعاف عندما أقترب الأهالي من سيارة الإسعاف  كنت مستعد لسماع كلمات التعازي والمواساة إلا أنني سمعت كلمات كالرصاص أصابت قلبي قبل أذني : أخرج بره أنت وأبوك يا دكتور ، اذهب أنت ومرضك ليس لك مدافن عندنا، اخرج .. اخرج أنت (عاوز) تنشر لنا المرض في القرية ،  كانت كلمات أهل القرية كالخناجر تغرس في جسدي ،وأخذت أسأل نفسي : هل أنا فعلا وسط أهل قريتي؟! أم أنه قد أخطأ رجل الإسعاف الطريق إلي قرية غيرها ؟!

وأعاود النظر في وجوههم مرة بعد مرة وأقول لنفسي : أه تذكرت هذا الوجه ..  وهذا الوجه .. وهذا الوجهة ، هذا وجه فلان الذي عالجت ابنه بالأمس  وهذا وجه فلان الذي طلبني في منتصف الليل وذهبت إليه وعالجت أمه ، وهذا فلان عالجته وهذا فلان كان دائم التردد علي عيادتي لأخذ العلاج بالمجان  وهذا فلان …….. فعلا هذه وجوه أهل قريتي ولكن ما بالهم ألم يتذكروني ألم يعرفوني ؟!!!!!!!

ولكنني استفقت وأدركت أنهم يرفضون دفن جثة أبي لأنهم خائفون من العدوي بهذا المرض اللعين . فقلت لا بأس سأشرح لهم : يا أهل قريتي أنا لا أريد لكم الضرر فالميت لا ينقل المرض فهو موضوع في كيس ومحكم وغير منفذ ا والكيس في صندوق محكم الغلق والصندوق سيدفن تحت الارض في التراب فلا خوف من العدوى .فصرخ رجل من بينهم لا تصدقوه إنه يضحك عليكم حتي يدفن الجثة ثم يترككم لمصيركم الأليم مع العدوى والمرض ، خافوا على أنفسكم وأولادكم . عجبت أن أهل القرية ايدوا هذا الرجل الذي أخذ نصيبا كبيرا من الجهل وأكتنزه لنفسه  ،فصرخ الجميع في صوت واحد اخرج بره اخرج بره ، فلا أجد مفر إلا الرجوع بسيارة الإسعاف وخرجت من القرية أحمل حزنا فوق حزن وألم فوق ألم وشعرت بأنني الذي مت وليس أبي .  وأخذت أسأل نفسي في حيرة أين أدفن أبي ؟

فعدت مرة أخري إلى قريتي بصحبة الشرطة ، تجمهر أهالي القرية مرة أخري ورفضوا دخول سيارة الإسعاف ولكن سرعان ما تفرقوا مع أول قنبلة غاز أطلقت ، فدخل سيارة الإسعاف إلى المقابر ودفنت أبي بمساعدة رجال الإسعاف ولم يقف بجواري أحد . دفنت أبي ودفنت معه الإنسانية التي ماتت في قلوب أهل قريتي . وخرجت من القرية خروج من أصابه الجرب الكل يبتعد عنه خشية العدوى .

هذه قصتي مع أهل قريتي بل قصتي مع الجهل الذي عشش العقول فأمات  التفكير والحس والشعور وأمات أهم ما يميز الإنسان أمات إنسانيته  فجعله ينكر الجميل وينسى المعروف .

فماذا أنا فاعل الآن ؟؟؟؟؟؟؟

تابعنا علي الفيسبوك

افرأ أيضا

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق